أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

556

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فاسِقُونَ » أحد عشر وجها ، وجهان في حالة الرفع بالنسبة إلى تقدير الخبر : هل يقدّر مقدّما وجوبا أو جوازا ، وقد تقدّم ما فيه ، وستة أوجه في النصب ، وثلاثة في الجر . وأمّا قراءة ابن ميسرة فوجهها أنها على الاستئناف ، أخبر أنّ أكثرهم فاسقون ، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ لعطفها على معمول القول ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم : هل تنقمون إلى آخره ، وأن يقول لهم : إنّ أكثركم فاسقون ، وهي قراءة جليّة واضحة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 60 ] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) قوله تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ : المخاطب في « أُنَبِّئُكُمْ » فيه قولان ، أحدهما - وهو الذي لا يعرف أكثر أهل التفسير غيره : أنه يراد به أهل الكتاب الذين تقدّم ذكرهم . والثاني : أنه للمؤمنين ، قال ابن عطية « ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم : « هَلْ أُنَبِّئُكُمْ » هم اليهود والكفار المتّخذون ديننا هزوا ولعبا ، قال ذلك الطبري ، ولم يسند في ذلك إلى متقدّم شيئا ، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين » . انتهى ، فعلى كونه ضمير المؤمنين واضح ، وتكون أفعل التفضيل - أعني « بِشَرٍّ » - على بابها ، إذ يصير التقدير : قل هل أنبّئكم يا مؤمنون بشرّ من حال هؤلاء الفاسقين ؟ أولئك أسلافهم الذين لعنهم اللّه ، وتكون الإشارة ب « ذلِكَ » إلى حالهم ، كذا قدّره ابن عطية ، وإنما قدّر مضافا ، وهو حال ليصحّ المعنى ، فإن « ذلِكَ » إشارة للواحد ، ولو جاء من غير حذف مضاف لقيل : من أولئك بالجمع . وقال الزمخشري : « ذلِكَ » إشارة إلى المنقوم ، ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل « مِنْ » تقديره : بشرّ من أهل ذلك ، أو دين من لعنه اللّه » انتهى . ويجوز ألّا يقدّر مضاف محذوف لا قبل ولا بعد ، وذلك على لغة من يشير للمفرد وللمثنى والمجموع تذكيرا وتأنيثا بإشارة الواحد المذكر ، ويكون « ذلِكَ » إشارة إلى الأشخاص المتقدّمين الذين هم أهل الكتاب ، كأنه قيل : بشرّ من أولئك ، يعني أن السلف الذي لهم شرّ من الخلف ، وعلى هذا يجيء قوله « مَنْ لَعَنَهُ » مفسّرا لنفس « ذلِكَ » ، وإن كان ضمير أهل الكتاب وهو قول عامة المفسرين فيشكل ويحتاج إلى جواب . ووجه الإشكال أنه يصير التقدير : « هل أنبّئكم يا أهل الكتاب بشرّ من ذلك ، و « ذلِكَ » يراد به المنقوم وهو الإيمان ، وقد علم أنه لا شرّ في دين الإسلام البتة ، وقد أجاب الناس عنه ، فقال الزمخشري عبارة قرّر بها الإشكال المتقدم ، وأجاب عنه بعد أن قال : « فإن قلت : المثوبة مختصة بالإحسان فكيف وقعت في الإساءة ؟ قلت : وضعت موضع عقوبة فهو كقوله : 1757 - . . . * تحيّة بينهم ضرب وجيع « 1 » ومنه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 2 » وتلك العبارة التي ذكرتها لك هي أن قال : « فإن قلت : المعاقب من الفريقين هم اليهود ، فلم شورك بينهم في العقوبة ؟ قلت : كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالّون مستوجبون للعقوبة ، فقيل لهم : من لعنه اللّه شرّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم » وفي عبارته

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 21 ) .